الآلوسي

152

تفسير الآلوسي

الكذب لأنه تصور ما ذكر ، وإيراده باللفظ فكأن التمني مبدأ له فلهذا صح التعبير به عنه ، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه : ما تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ؛ والباء في * ( بأمانيكم ) * مثلها في - زيد بالباب - وليست زائدة والزيادة محتملة ، ونفاها البعض ، واسم * ( ليس ) * مستتر فيها عائد على الوعد بالمعنى المصدري ، أو بمعنى الموعود فهو استخدام كما قال السعد وقيل : عائد على الموعود الذي تضمنه عامل وعد الله ، أو على إدخال الجنة أو العمل الصالح ، وقيل : عائد على الإيمان المفهوم من الذين آمنوا ؛ وقيل : على الأمر المتحاور فيه بقرينة سبب النزول . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى ، فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى مثل ذلك ، فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم بعد نبيكم ، وديننا بعد دينكم وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا ، فأنزل الله تعالى : * ( ليس بأمانيكم ) * ، وقوله سبحانه : * ( ومن أحسن ) * ( النساء : 125 ) الخ أي ليس وعد الله تعالى ، أو ما وعده سبحانه من الثواب أو إدخال الجنة ، أو العمل الصالح ، أو الإيمان ، أو ما تحاورتم فيه حاصلاً بمجرد أمانيكم أيها المسلمون ولا أماني اليهود والنصارى ، وإنما يحصل بالسعي والتشمير عن ساق الجد لامتثال الأمر ، ويؤيد عود الضمير على الإيمان المفهوم مما قبله ، ض أنه أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفاً " ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا : نحسن الظن بالله تعالى وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل " وأخرج البخاري في " تاريخه " عن أنس مرفوعاً " ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب فأما علم القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على بني آدم " . وروي عن مجاهد وابن زيد أن الخطاب لأهل الشرك فإنهم قالوا : لا نبعث ولا نعذب كما قال أهل الكتاب : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ) * ( البقرة : 111 ) وأيد بأنه لم يجر للمسلمين ذكر في الأماني وجرى للمشركين ذكر في ذلك أي ليس الأمر بأماني المشركين وقولهم : لا بعث ولا عذاب ، ولا بأماني أهل الكتاب وقولهم ما قالوا : وقرر سبحانه ذلك بقوله عز من قائل : * ( مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ به ) * عاجلاً أو آجلاً ، فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت علي ؟ فقلت : بلى يا رسول الله فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقصاماً في ظهري حتى تمطأت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك يا أبا بكر ؟ قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله تعالى ليس عليكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة " . وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة قال : " لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله تعالى فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سددوا وقاربوا فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها " والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى ، ولهذا أجمع عامة العلماء على أن الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلّت مشقتها يكفر الله تعالى بها الخطيئات ،